ابن عرفة

209

تفسير ابن عرفة

البعوضة ، فلذلك كان مذموما في حقهم ، وأما المتكبر ، فقال ابن الخطيب : أحسن الناس فيه كلاما الشيخ الغزالي رحمه اللّه ، قال : المتكبر هو الذي يرى الكل حقيرا ، بالإضافة إلى ذاته ، ولا يرى العظمة ولا الكبرياء إلا إلى نفسه ، وينظر إلى غيره نظر المملوك إلى العبيد ، فإن كانت صادقة كان المتكبر حقا ، وإن كان صاحبها محقا في ذلك التكبر ، فلا يتصور ذلك مطلقا إلا في حق اللّه تعالى ، وإن كانت الرؤيا باطلة ، ولم يكن ما يراه من التفرد بالعظمة كما يراه كان المتكبر باطلا مذموما لحديث " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ومن نازعني في واحد منها قذفته في النار " ، فظهر أن المتكبر في حقه مدح وكمال ، وفي حق غيره نقص ، وقال مجاهد : التكبر من الكبرياء ، بمعنى الملك ، قال تعالى وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ [ سورة يونس : 78 ] ، وقيل : هو بمعنى الكبير ، قال تعالى فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ [ سورة يوسف : 31 ] ، أي عظمنه ، قال الزجاج : هو الذي يكبر عن ظلم عباده ، قال الفخر : فإن قيل : المتكبر منفصل ، وهو يفيد تكلف الفعل ، يقال : فلان يتعظم وليس بعظيم يسخى وليس بسخي ، فأجاب : بأن الأزهري ، قال : التفعل قد يجيء لغير التكليف يقال : فلان يتظلم أي يظلم ، ويتظلم أي يشكوا من الظلم ، وهذه الكلمة من الأضداد ، فقد يعني الظالم ، وقد يعني الشديد من الظلم ، وعبر عنه ابن العربي : بأن الفعل عبارة عن كونه على تلك الصفة ، وهي في المخلوق حادث فكتب في الخالق النافية الاختصاص ، فتكبر أي انفرد بالصفات العلى ، وتكبر إذا اكتسب الكبرياء وتعاطاه ، زاد الفخر جوابا آخر وهو أن المتفعل هو الذي يحاول إظهار الشيء ويبالغ فيه ، فإن صدق كان ذلك الإظهار مدحا ، وإن كذب فهو صفة ذم ، وأما الخالق ، فقال الفخر : هو على معنيين : إما المقدر وإما الموجب ، زاد ابن العربي : المعنى قال : وله معنى يستحيل هنا ، وهو الكذب ، الفخر : والتقدير تقدير الشيء على مقدار المعين ، ولا بد فيه من صورة مؤثرة على نتوقف على آلة مخصصة لذلك المقدار ، وعلم بذلك القدر فإن توقفت على آلة كتصوير أحدنا للخصم ، فإنه لا يمكن بتحريك الأصابع ، فتسمى تلك الحركة تقديرا أو تصويرا ، قال : والعلم في حق القديم لا يحتاج إلى فكرة ولا إلى نظر ، قال : فإن فسرنا الخالق بالمقدر حسن الترتيب في الآية ، لأن التقدير يرجع إلى العلم ، فتقول : من قدر ما الفلاسفة من ظن أنه تعالى لا يعلم الأشياء ، وقصدوا علمه على ماهية معينة فلفظة الخالق يدل على علمه بحقائق الأشياء ، ومنهم من سلم علوم علمه ، لكنه يقول : الخيول قديمة والبارئ متصرف فيها ، فقال البادي : زاد عليهم ليدل على إيجاده لها من عدم لمحض لا عن المادة ، ومنهم من علمه وإيجاده لهذه الذوات ، إلا أنه يقول صورة النبات والحيوان عن الطبيعة ، والطبيعة هي التي تصور كل شيء على صورته الخاصة ،